العودة   منتدى صناع الحياة > الركن الشرعي > زاد الخطيب
اسم العضو
كلمة المرور
التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع

المسك والعنبر في خطب المنبر

  #1  
قديم 25-06-2006, 11:19
الصورة الرمزية الشيماء يعقوب
الشيماء يعقوب الشيماء يعقوب غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 462
المسك والعنبر في خطب المنبر

[align=center] بسم الله الرحمن الرحيم [/align]

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله.
)يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) (النساء:1) )يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) (الحج:1) )يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) (النساء:1) )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً) (الأحزاب:70)
أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها المؤمنون:
عنوان هذه الخطبة: رسول المساكين، وهو عليه الصلاة والسلام، رسول إلى كل البشر، إلى الملوك والمملوكين، إلى الأغنياء والفقراء، إلى الكبار والصغار، إلى الرجال والنساء.
لكنني أريد أن أقف معه، عليه الصلاة والسلام، وهو يتعامل مع المساكين، يقف معهم، يرحمهم، يعلمهم، يرفع شأنهم، يعيش مأساتهم، وظمأهم، وجوعهم، ودموعهم.
(وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) (الأنعام:52)
وهل كان عليه الصلاة والسلام، يطرد الفقراء؟ وهل كان عليه الصلاة والسلام، يبعد المساكين؟ لا ولكن للآية قصة.
أتى كبراء مكة وصناديدها من الذين عششت الجاهلية في رؤوسهم، فرأوا الرسول عليه الصلاة والسلام، جالسا في الحرم، وحوله بلال، وصهيب، وعمار، وابن مسعود، وكلهم مساكين وفقراء، فقال أبو جهل: يا محمد إن كنت تريد أن نجلس معك فاطرد هؤلاء الأعبد، حتى نجلس معك، فهم الرسول عليه الصلاة والسلام أن يفعل طمعا في إسلامهم، فأنزل الله عليه هذه الآية.
إن هؤلاء الفقراء والمساكين المنكسرين خير من أولئك العظماء المتكبرين، إن أقفية هؤلاء المؤمنين أشرف من وجوه أولئك الكفرة، إن أقدام هؤلاء خير من رؤوس أولئك، لأن هؤلاء مؤمنون، موحدون، طائعون، وأولئك مكذبون، متكبرون، محادون لله ورسوله.
(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) (الكهف:28)
قال أبو العباس سهل بن سعد الساعدي-رضي الله عنه-: مر رجل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لرجل عنده جالس: (ما رأيك في هذا؟ فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع. فسكت رسول الله، عليه الصلاة والسلام، ثم مر رجل آخر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما رأيك في هذا)؟ فقال يا رسول الله هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وأن قال أن لا يسمع لقوله. فقال رسول الله صلى اللههذا خير من ملء الأرض مثل هذا).أخرجه البخاري.
ما هو الميزان إذا؟ ما هو المقياس؟ ما هي المؤهلات التي ترفع الإنسان وتحفضه؟ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات:13)
يقول عليه الصلاة والسلام: (ابغوني ضعفاءكم فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم).أخرجه أبو داود ، النسائي، الترمذي وقال: حسن صحيح . وصححه الألباني كما في صحيح الجامع.
ويروى عنه أنه قال: ( اللهم أحيني مسكينا، وتوفني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين).
وليس معنى هذا أن نترك الدنيا، أو نرمي المال، وإنما المعنى أن نعيش منكسرة قلوبنا إلى لله، ففي بعض الآثار أن الله-عز وجل- يقول: (أنا مع المنكسرة قلوبهم لي). والذي انكسر قلبه لله، هو من يعيش عبدا لله، لا لشهواته ومنصبه، ولا لدنياه.
لنقف اليوم مع نماذج من الفقراء والمساكين والمستضعفين، أحياها رسولنا عليه الصلاة والسلام، ورفعها، ووقف معها موقف شرف لا تنساه، بل لا ينساه التاريخ.
أتاه شاب من شباب مكة، وقد أخذ أهله كل شيء عنده، لأنه أسلم، جريمته الكبرى أنه أسلم، أخذوا ماله، وخلعوا ثيابه، فما وجد إلا شملة قسمها نصفين، نصف لأعلاه، ونصف لأسفله، فلما رآه عليه الصلاة والسلام أجهش بالبكاء في وجهه، وقال: رأيته من أغنى شباب مكة، ومن أطيب شباب مكة، ثم ترك ذلك كله لله، إنه عبد الله ذو البجادين، وسمي بذي البجادين لأنه قسم الشملة على نصفين ليستر بها جسده، وأتى جائعا طريدا معذبا، يحمل لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
وتمر الأيام، والرسول عليه الصلاة والسلام، يملأ قلبه حبا وحنانا وعطفا ورحمة، ويخرج معه في غزوة تبوك، وينام الجيش وعدده أكثر من عشرة آلاف، وفي وسط الليل يستيقظ ابن مسعود-رضي الله عنه- فيرى نارا تضيء في آخر المعسكر، فيلتمس الرسول، عليه الصلاة والسلام، فلا يجده، فيذهب إلى مكان النار، فإذا الرسول عليه الصلاة والسلام، حفر قبرا ونزل في القبر وسط الليل، وإذا أبي بكر وعمر يحملان جنازة يدليانها في القبر، فقال ابن مسعود: من هذا يا رسول الله، قال هذا أخوك عبد الله ذو البجادين، توفي هذه الليلة، ويجعل عليه الصلاة والسلام ساعده تحت خد عبد الله، ودموعه تتقاطر على خد عبد الله في ظلام الليل، فلما أنزله قبره، رفع كفيه واستقبل القبلة وقال: اللهم ارض عنه فإني أمسيت عنه راض. اللهم ارض عنه فإني أمسيت عنه راض. فبكى ابن مسعود وقال: يا ليتني كنت صاحب هذه الحفرة. رواه البزار عن شيخه عباد بن أحمد، وهو متروك.
اختصمت امرأتان في عهد النبي، عليه الصلاة والسلام، فأتت إحداهما واسمها الربيع أخت أنس بن النضر، فقلعت سن المرأة الأخرى، ورفع الأمر إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال: كتاب الله، والسن بالسن.
فأتى أنس بن النضر، بطل المعارك، الذي قتل من الكفار مبارزة مائة، غير المئات التي صفى حسابهم تصفية جسدية، في بدر وأحد والأحزاب فقال: يارسول الله، أتريد أن تقلع سن أختي الربيع؟ قال: نعم.كتاب الله قال والله لا تقلع سن أختي الربيع ما معنى هذا القسم، هل هو اعتراض على الشرع؟ هل هو اعتراض على حكومة النبي صلى الله عليه وسلم؟ كلا، ولكن أقسم أنس هذا القسم، رجاء في الله أن يبر قسمه، كأنه دعاء.
فلما أقسم أنس قال عليه الصلاة والسلام: اذهبوا إلى أهل المرأة فإن رضوا بالأرش فلا بأس. فذهبوا إليهم فرضوا بالأرش وكانوا قبل ذلك لم يرضوا به أبدا وأقسموا لا يرضون إلا بسن الربيع.
فتبسم عليه الصلاة والسلام، وأخذ ينظر إلى ثياب أنس بن النضر الممزقة وإلى جسمه النحيل ثم قالإن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)أخرجه أبو داود وابن ماجة وأحمد.
كأنه يقول له: أصبحت في منزلة إذا حلفت على الله، أبر الله قسمك..أي منزلة هذه أن يقسم الإنسان الضعيف على الملك الجليل فيلبي قسمه..
وهذا البراء بن مالك-رضي الله عنه- كان الصحابة رضوان الله عليهم-إذا ذهبوا إلى المعارك، أخرجوه وقالوا له: أقسم على الله أن ينصرنا.
حضروا معركة تستر في الشمال، وحاصروها ورفض الكفار أن ينزلوا من القلعة، وكانت محصنة، وما كان الصحابة يملكون صواريخ، ولا مدافع، ولا حتى منجنيق إلا أنهم كانوا يملكون ما هو أعظم من هذا كله، يملكون الدعاء، الذي يتجاوز حدود الأرض فيصل إلى السماء، فيقول الله- عز وجل- : وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين.
حاصر الصحابة القلعة، ثم قالوا للبراء نسألك بالله أن تقسم على ربك أن ينصرنا هذا اليوم، قال: انتظروني قليلا، فذهب واغتسل وتحنط وتطيب، ثم رفع سيفه، والتفت إلى السماء ليخاطب ربه مباشرة، ثم قال: اللهم إنك تعلم أني أحبك، هذا أول مؤهلات البراء.
وليسأل كل منا نفسه، هل يحب ربه؟ هل صحيح أننا نحن المسلمين نحب ربنا، فنمنثل أوامره، ونجتنب نواهيه، ونحب دينه وشرعه، ونقدم أنفسنا ودماءنا وأموالنا رخيصة لإعلاء كلمة الله.
لا أعني بمحبة الله –عز وجل – تلك المحبة المزعومة التي يدعيها كل الناس بألسنتهم، وليس لها في عالم الحقيقة وجود، فإن قوما ادعوا محبة الله-عز وجل-فابتلاهم الله بهذه الآية )قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران:31) فظهر كذبهم، وبان عوارهم ودجلهم.
إنني لن أجيب على هذا السؤال، فكل يجيب عليه في نفسه، أما البراء فقد كان صادقا كان جسمه يتقطع وهو يبتسم لأنه يحب الله.
قال: اللهم إنك تعلم أني أحبك، اللهم إني أقسم عليك هذا اليوم أن تنصرنا، وأن تجعلني أول قتيل، ودارت المعركة، فوالذي لا إله إلا لهو أول قتيل في المعركة، وكان فوزا ساحقا للمسلمين، ودكت القلعة دكا، وقتل الكفرة، ورفعت راية لا إله إلا الله .
فأين هذه القلوب وأين هذه النماذج التي تحب الله –عز وجل-وتعيش مع شرعه؟ فكان جزاؤها أنها تقسم على الله-عز وجل- فلا يردها بل يبر قسمها، ويلبي دعاءها.
وفي مناظرة ساخنة بين هرقل ملك الروم وبين أبي سفيان، الذي كان آنذاك عدوا لدودا لرسول الله، عليه الصلاة والسلام، فيقول هرقل: يا أبا سفيان أضعفاء الناس يتبعونه أم كبراؤهم؟ قال: أولئك أتباع الرسل.أخرجه البخاري.
ولا يعني هذا أن كل من جمع مالا أو اغتنى، أو ولاه الله أمرا أو منصبا أن يلغي،لا، لأن الأمة لا تستغني عن هؤلاء أيضا، ولكن المعنى أن نرحم أولئك المساكين، وأن نعيش مأساتهم، وأن نحبهم، وأن نقف معهم ونلبي طلباتهم، لأن صوتهم ضعيف لا يصل، وخطوتهم قصيرة فلا تمتد، وتغلق الأبواب في وجوههم لأنهم مساكين، والأعطيات لا تنالهم لأنهم مساكين، فحق على المسلم أن يشفع لهم، وأن يعيش قضيتهم.
أيها الناس:
كان عليه الصلاة والسلام، يزور عجائز المدينة، ولعل أحدا يسأل، ولماذا لم يرسل أحدا من أصحابه، ويبقى هو في بيته؟
فنقول: إن زيارته صلى الله عليه وسلم، لعجوز في طرف المدينة خير من ألف محاضرة وألف كتاب، وألف تصريح، وألف خطبة.
يزور عليه الصلاة والسلام العجوز فيسألها عن حالها، ويمسكه الأعرابي في الطريق فيوقفه حتى ينتهي من حاجته، ويحمل الأطفال ويداعبهم، كان الفقير والمسكين والضعيف يأخذ بيديه عليه الصلاة والسلام، فينطلق به حيث شاء، فزكاه ربه بتاج من الوقار والمديح والثناء، لا يعدله شيء (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:4)
إن القلوب القاسية، ترفض هذا السلوك وتسميه تنازلا وتدميرا للشخصية، وبعضهم يزعم أنه إذا زار الفقراء أو وقف مع المساكين، سقطت هيبته، وانهار كبرياؤه، ولذلك تجده يضيق على نفسه هالة من الكبر والعبوس والغلظة، فيمقته الله، ويسقطه من العيون، فلا تحبه القلوب، ولا تدعوا له الألسنة، ولا تعشقه الأرواح، ولا يجد قبولا في الأرض، بل بغضا ومقتا وكرها.
وقد ذكر عليه الصلاة والسلام أن المتكبرين يحشرون يوم القيامة في صورة الذر يطؤهم الناس بأقدامهم.أخرجه الترمذي وقال: صحيح حسن، وأحمد ، وحسنه الألباني .
نعوذ بالله من الكبر والمتكبرين، ومن الجبروت والمتجبرين، ونسأله تعالى أن يرحمنا برحمة المساكين، وأن يعفو عناكما يعفو عن المذنبين.
عباد الله:
أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين إنه هو الغفور الرحيم.

التعديل الأخير تم بواسطة الشيماء يعقوب ; 25-06-2006 الساعة 11:30.

عوامل القوة في حياة المسلمين

  #2  
قديم 02-07-2007, 01:49
الصورة الرمزية الشيماء يعقوب
الشيماء يعقوب الشيماء يعقوب غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 462
عوامل القوة في حياة المسلمين

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أشهد أن محمدا عبده ورسوله.
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) (النساء:1)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (البقرة:278) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً) (الأحزاب:70)
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها الناس:
ومما زادني شــرفا وفخــرا وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك (يا عبادي) وأن صيرت أحـمد لي نبيا من مبادئنا الأصلية، ومن تعاليمنا الجليلة، أن نفتخر بهذا الدين، وأن نتشرف بأن جعلنا الله مسلمين، فمن لم يتشرف بالدين ولم يفتخر بكونه من المسلمين، ففي قلبه شك وقلة يقين، يقول الله في محكم التنزيل، مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم: ( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ) (الزخرف:44). أي شرف لقومك، وشرف لأتباعك إلى يوم القيامة، فالواجب أن تتشرف بالقرآن، لكونك من أمة القرآن، ومن أمة الإسلام.
بشرى لنا معشر الإسلام أن لنا من العناية ركنا غير منهـدم
لما دعـا الله درعـينا لطـاعته بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم ولذلك يقول جل ذكره: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران:139)
قال الأستاذ سيد قطب: ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون). الأعلون سندا، والأعلون مبادئا، والأعلون منهجا فمبدؤكم المبدأ الأصيل، وقرآنكم القرآن الجليل، وسندكم الرب الفضيل، فكيف يهن من كان الله سنده، وكيف يهن من كان الله ربه ومولاه، وكيف يهن من كان الله سنده، وكيف يهن من كان رسوله وقدوته محمدا صلى الله عليه وسلم، وكيف يهن من كان دينه الإسلام.
ولذلك كان لزاما علينا أن نفخر، وأن نشعر بالشرف والجلالة والنبل، يوم أن جعلنا الله مسلمين؛ لأن بعض الناس يخجل أن يلتفت إلى السنة، أو أن تظهر عليه معالم السنة، وهذا خطأ كبير وانهزام نفسي فاحش.
كيف يخجل المؤمن من السنة ونجاته يوم القيامة موقوفة على اتباعها. ويظن بعض هؤلاء أن الغرب بما وصل إليه من تقدم علمي هم أهدى سبيلا من أهل الإيمان والإسلام... ولذلك يرد الله –عز وجل- على الذين ظنوا أن مبادئ الشرف ومبادئ الرفعة، في تحصيل الأموال وامتلاك الدنيا فقال سبحانهوَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (الزخرف:31،32)
الشرف كل الشرف ليس في الدور، ولا في القصور، ولا في الأموال، ولا في الأولاد، ولا في الهيئات ولا في الذوات، الشرف أن تكون عبدا لرب الأرض والسموات، الشرف أن تكون من أولياء الله، الذين يعملون الصالحات، ويجتنبون المحرمات.
جاء عبد الله بن أم مكتوم، الضرير الفقير المسكين إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم، يسأله في بعض الأمور، والرسول صلى الله عليه وسلم مشغول بكفار قريش وساداتهم، يريد أن يهديهم إلى الصراط المستقيم، فلما دخل عليه قال: يا رسول الله أريد كذا وكذا، فأعرض عنه صلى الله عليه وسلم -(أخرجه الترمذي وقال حديث غريب)_ لأنه لا يريد أن تفوته الفرصة مع هؤلاء الكبار، فعاتبه ربه من فوق سبع سموات، عاتبه في أمر هذا المسكين الضرير، يقول الله له (عبس) فخاطبه بخطاب الغيبة، ولم يقل (عبست) وإنما يقول ( عبس) أي تغير وجهه واكفهر، عبس هذا الرسول، عبس هذا النبي، عبس هذا الداعية في وجه الرجل الصالح(عبس وتولى). (سورة عبس، الآية:1)أي أعرض عنه()عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى) (عبس: 1 ،2 ) . ولم يسمه باسمه، وإنما ذكره بصفته( أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى) (عبس:2)
ثم قال له (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) (عبس:3). من أخبرك بحاله، لعله أراد أن يتطهر بالعلم النافع أراد منك أن تفقه في الدين، أراد منك أن تقوده إلى رب العالمين، (أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى) ((عبس:4:5) . أما الكافر الذي استغنى عن الرسالة والرسول، وعن القرآن والسنة، وعن الهداية والنور(أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) (عبس:5،6) تستقبله، وتهش وتبش في وجهه، وتلين له في الخطاب.
هؤلاء الجبابرة الذين أتوك تستقبلهم، أما هذا الأعمى، فتعرض عنه؟ (فأنت له تصدى. وما عليك إلا يزكى) (سورة عبس 6،7) . ليس عليك حسابهم، ذرهم يموتوا بكفرهم، وجبنهم، وعنادهم، وجبروتهم، فالنار مثواهم.( وما عليك ألا يزكى. وأما من جاءك يسعى. وهو يخشى.فأنت عنه تلهى). سورة عبس( 7-10) . لا لا تفعل ذلك.
فأتى عبد الله بن أم مكتوم مرة ثانية، فقام له، صلى الله عليه وسلم، وعانقه وفرش له رداءه، وقال له: مرحبا بالذي عاتبني فيه ربي(الدر المنثور)
وبالفعل كانت النتيجة؛ أن مات هؤلاء الأشراف السادة، ماتوا على الكفر ودخلوا نار تلظى، وأما عبد الله ابن مكتوم، فأسلم واستمر على إسلامه ووفائه.
ولما أتى داعي الهداية وداعي الكفاح، وداعي الجهاد، وارتفعت راية الإسلام في يد عمر –رضي الله عنه وأرضاه- ونادى بالنفير إلى القادسية، إلى معركة فاصلة، مع آل كسرى، وآل رستم، كان من المجاهدين عبد الله ابن أم مكتوم.
قال له الصحابة إنك معذور، أنت أعمى، قال: لا والله، الله يقول: (انفروا خفافا و ثقالا).سورة التوبة،(41). فلما حضر المعركة، سلموه الراية، فوقف مكانه حتى قتل، فكان قبره تحت قدميه، رضي الله عنه وأرضاه.
سلام على ذلك الصديق المخلص، وسلام على ذاك المنيب، الذي تشرف بالإسلام، فكان قلعة الحق، استقبلت نور السماء، فوزعته على البشرية، والرسول عليه الصلاة والسلام، كما قالت عائشة-رضي الله عنها وأرضاها- ما أعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم، شيء من الدنيا، ولا أعجبه أحد قط، إلا ذو تقى) (أخرجه أحمد).وعبد الرحمن بن عوف يقولوالله ما رأيت متقيا لله إلا وددت أنني في مسلاخه).
ترى المتقي، فيحبه قلبك إن كنت مسلما؛ لما يظهر عليه من علامات النصح والرضا والقبول، وترى الكافر فيبغضه قلبك، ولو كان وسيما جميلا، فعليه آيات السخط والغضب، وعليه سمات الإعراض عن الله. (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (المنافقون:4)
أما الأجسام، فطويلة، وأما البشرة، فجميلة، ولكن القلوب قلوب ضلالة، وقلوب عمالة، ولذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم، لا يملكون في الدنيا قليلا ولا كثيرا، ولا يجد أحدهم إلا كسرة الخبز، وينام في الطرقات، ولكن الله نظر إلى قلوبهم فهداهم إلى الإسلام، أما الذين يتغنون في القصور والدور، قد لا يهديهم –سبحانه وتعالى- سواء السبيل(وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) (لأنفال:23)
جاء جليبيب إلى رسول الله، فتبسم عليه الصلاة والسلام، لما رآه،وقال وهو يناصحه: يا جليبيب أتريد الزواج؟ فقال يا رسول: من يزوجني، ولا أسرة عندي ولا مال، ولا دار، ولا شيء من متاع الدنيا. فقال: عليه الصلاة والسلام: اذهب إلى ذلك البيت من بيوت الأنصار، فأقرئهم مني السلام، وقل لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يأمركم أن تزوجوني، فذهب وطرق عليهم الباب وكانوا من سادات الأسر، ومن كبريات العشائر في الأنصار، فخرج رب البيت، ورأى جليبيبا وهيئته وفقره وعوزه، فقال له ماذا تريد؟ فأخبره الخبر، فعاد إلى زوجته، فشاورها، ثم قالوا: ليته غير جليبيب؛ لا نسب، ولا مال، ولا دار، فشاور تلك البنت الصالحة، التي تربت في مدرسة التوحيد، فقالت: وهل وهل نرد رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتزوج بها، وعمر بيته الذي أسسه على تقوى الله-عز وجل- ورضوانه، وتظله الصلاة في الهجير، والصيام في شدة الحر.
وحضر النبي صلى الله عليه وسلم معركة من المعارك، فلما انتهت بالنصر، قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: هل تفقدون من أحد؟قالوا: نعم، فلانا وفلانا وفلانا ثم قال صلى الله عليه وسلم: هل تفقدون من أحد؟قالوا نعم فلانا وفلانا وفلانا. ثم قال، صلى الله عليه وسلم: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: لا. قال صلى الله عليه وسلم: لكني أفقد جليبيبا فاطلبوه، فطلب في القتلى، فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم، ثم قتلوه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فوقف عليه، فقال: قتل سبعة ثم قتلوه. هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه، ثم وضعه على ساعديه، ليس له إلا ساعدا النبي صلى الله عليه وسلم، ثم حفر له، ووضعه في قبره.أخرجه مسلم
لقد كانت عظمة هؤلاء يوم اتصلوا بالواحد الأحد، وعرفوا الله عز وجل، فعرفهم الله عز وجل، على منازل الصديقين.
دخل سليمان بن عبد الملك الحرم، ومعه الوزراء، والأمراء، والحاشية، والجيش، فقال: من عالم مكة فقالوا: عطاء بن أبي رباح، قال: أروني عطاء هذا، فأشرف عليه، فوجده عبدا، كأن رأسه زبيبة مشلولا نصفه، أزرق العينين، مفلفل الشعر، لا يملك من الدنيا درهما ولا دينارا، فقال سليمان: أأنت عطاء بن رباح الذي طوق ذكرك الدنيا؟ قال: يقولون ذلك، قال بماذا حصلت على هذا العلم، قال بترك فراشي في المسجد الحرام ثلاثين سنة، ما خرجت منه، حتى تعلمت العلم، قال سليمان: ياأيها الحجاج لا يفتي في المناسك إلا عطاء.
وحدث أن اختلف سليمان وأبناؤه في مسألة من مسائل الحج، فقال: دلوني على عطاء بن أبي رباح، فأخذوه إلى عطاء وهو في الحرم، والناس عليه كالغمام، فأراد أن يجتاز الصفوف، ويتقدم إليه وهو الخليفة، فقال عطاء: يا أمير المؤمنين خذ مكانك ولا تتقدم الناس إن الناس سبقوك إلى هذا المكان، فلما أتى دوره سأله المسألة فأجابه، فقال سليمان لأبنائه: يا أبنائي، عليكم بتقوى الله والتفقه في الدين، فوالله ما ذللت في حياتي إلا لهذا العبد. لأن الله يرفع من يشاء بطاعته، وإن كان عبدا حبشيا، لا مال ولا نسب، ويذل من يشاء بمعصيته، وإن كان ذا نسب وشرف
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:54.

Powered by vBulletin Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2013, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar جميع الحقوق محفوظة لمنتدى صناع الحياة www.sona3.org/b
hits counter